ابن أبي شريف المقدسي

116

المسامرة شرح المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة

العقل والنقل كما تقدم في صدر هذا الأصل ( على وجوب كون كل موجود صادرا عن قدرته تعالى ابتداء بلا واسطة ، و ) قام البرهان أيضا من العقل ( على وجوب تعلق قدرة العبد بأفعاله الاختيارية للعلم الضروري بالتفرقة بين حركتيه صاعدا وساقطا ) بأن حركته صاعدا اختيارية وحركته ساقطا اضطرارية ، ( فنقول بهما ) أي : بالأمرين اللذين قام البرهان على كل منهما ( وإن لم تعلم حقيقة كيفية هذا التعلق ) وهو الثاني منهما ( فإنه ) أي : علم كيفية هذا التعلق ( غير لازم لنا ) إذ لسنا متعبدين بتعرف مثل حقيقة كيفيته « 1 » . ( قلنا : ) في الجواب : ( حاصل هذا ) الذي قررتموه ( اعترافكم بأن العلم الضروري بتعلق قدرة العبد بحركته صاعدا ) أمر ( ثابت ) لا ارتياب فيه ، ( ثم ) بعد اعترافكم بذلك ( ادّعيتم أنه ) أي : الشأن ( ألجأ إلى كونه على خلاف المعقول من معنى تعلق القدرة بمقدورها ، من كونه بلا تأثير وإيجاد لا ندري على أي وجه هو ملجئ ) وحل هذا التركيب أن قوله : « ألجأ » فعل ماض ، فاعله قوله آخرا : « ملجئ » ، وقوله : « من معنى » متعلق بالمعقول ، وقوله : « من كونه بلا تأثير » بيان لقوله : « خلاف » . أي : ثم ادعيتم أنه ألجأكم ملجئ إلى القول بكون تعلق قدرة العبد بالفعل على وجه يخالف ما يعقل من معنى تعلق القدرة بمقدورها ، وذلك الوجه المخالف هو أن تعلق قدرة العبد بلا تأثير منه وإيجاد للمقدور ، وإنكم لا تدرون كيفية ذلك التعلق ، والعطف في قوله : « وإيجاد » تفسيري ( و ) ذلك الملجئ ( هو براهين وجوب استناد كل الحوادث إلى القدرة القديمة بالإيجاد ) وقد تقدم بعضها في صدر هذا الأصل ( وهو ) أي : ما ادعيتموه من أنه ألجأكم إلى تلك البراهين المشار إليها ( غير صحيح ، فإن تلك البراهين إنما تلجئ لو لم تكن ) أي : تلك البراهين ( عمومات لا تحتمل التخصيص ) كذا فيما رأيته من النسخ ، واللائق حذف « لا » ، بأن يقال : « لو لم تكن عمومات تحتمل التخصيص بأن كانت غير عمومات ، أو عمومات لا تحتمل التخصيص » ، ويدل لكون اللائق حذف « لا » أنه المناسب لقوله : ( فأما إذا كانت إياها ) أي : فأما إذا كانت عمومات تحتمل التخصيص ( ووجد ما يوجب

--> ( 1 ) الكيفية : هي عرض لا يقتضي لذاته قسمة ولا نسبة ، وتنقسم إلى أربعة أقسام : الكيفية الجسمية والكيفية النفسية والكيفية الاستعدادية والكيفية الكمية ، والكيفية الأخيرة تندرج ضمن الأولى وتعد اعتبارية من جهة النسبة لصعوبة تحديدها .